فخر الدين الرازي

206

تفسير الرازي

وهو المراد من هذه الآية . واختلفوا في المراد بالشركاء ، فقال مجاهد : شركاؤهم شياطينهم أمروهم بأن يئدوا أولادهم خشية العيلة ، وسميت الشياطين شركاء ، لأنهم أطاعوهم في معصية الله تعالى ، وأضيفت الشركاء إليهم ، لأنهم اتخذوها كقوله تعالى : * ( أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ) * وقال الكلبي : كان لآلهتهم سدنة وخدام ، وهم الذين كانوا يزينون للكفار قتل أولادهم ، وكان الرجل يقوم في الجاهلية فيحلف بالله لئن ولد له كذا وكذا غلاماً لينحرن أحدهم كما حلف عبد المطلب على ابنه عبد الله ، وعلى هذا القول : الشركاء هم السدنة ، سموا شركاء كما سميت الشياطين شركاء في قول مجاهد . المسألة الثالثة : قرأ ابن عامر وحده * ( زين ) * بضم الزاء وكسر الياء ، وبضم اللام من * ( قتل ) * و * ( أولادهم ) * بنصب الدال * ( شركائهم ) * بالخفض والباقون * ( زين ) * بفتح الزاي والياء * ( قتل ) * بفتح اللام * ( أولادهم ) * بالجر * ( شركاؤهم ) * بالرفع . أما وجه قراءة ابن عامر فالتقدير : زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم ، إلا أنه فصل بين المضاف ، والمضاف إليه بالمفعول به وهو الأولاد ، وهو مكروه في الشعر كما في قوله : فزججتها بمزجة * زج القلوص أبي مزاده وإذا كان مستكرهاً في الشعر فكيف في القرآن الذي هو معجز في الفصاحة . قالوا : والذي حمل ابن عامر على هذه القراءة أنه رأى في بعض المصاحف * ( شركائهم ) * مكتوباً بالياء ، ولو قرأ بجر الأولاد والشركاء ، لأجل أن الأولاد شركاؤهم في أموالهم لوجد في ذلك مندوحة عن هذا الارتكاب . وأما القراءة المشهورة : فليس فيها إلا تقديم المفعول على الفاعل ، ونظيره قوله : * ( لا ينفع نفساً إيمانها ) * ( الأنعام : 158 ) وقوله : * ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه ) * ( البقرة : 124 ) والسبب في تقديم المفعول هو أنهم يقدمون الأهم ، والذي هم بشأنه أعنى وموضع التعجب ههنا إقدامهم على قتل أولادهم ، فلهذا السبب حصل هذا التقدير . ثم قال تعالى : * ( ليردوهم ) * والإرداء في اللغة الإهلاك ، وفي القرآن * ( إن كدت لتردين ) * ( الصافات : 56 ) قال ابن عباس : ليردوهم في النار ، واللام ههنا محمولة على لام العاقبة كما في قوله : * ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً ) * ( القصص : 8 ) * ( وليلبسوا عليهم دينهم ) * ( الأنعام : 137 ) أي ليخلطوا ، لأنهم كانوا على دين إسماعيل ، فهذا الذي أتاهم بهذه الأوضاع الفاسدة ، أراد أن يزيلهم عن ذلك الدين الحق . ثم قال تعالى : * ( ولو شاء ربك ما فعلوه ) * قال أصحابنا : إنه يدل على أن كل ما فعله المشركون فهو بمشيئة الله تعالى . قالت المعتزلة : إنه محمول على مشيئة الإلجاء ، وقد سبق ذكره مراراً * ( فذرهم